السيد محمد تقي المدرسي
305
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الثاني بإزاء مبلغ ببتر يده مثلًا . فالثاني لا يتضرر وحده بهذه العملية ، إذ ان زوجته وأولاده وعموم أسرته ، وربما غيرهم يتضررّون بذلك ايضاً . فهل له الحق في ذلك ؟ كلا ! . من هنا لا نجد تاريخياً ، عقداً واحداً لا يتدخل فيه المجتمع ، وحسب باتيفول : ان القوانين الآمرة كانت دائماً متوافرة حتى في عهد ضآلة عددها ، وكان المتعاقدون لا يستطيعون مخالفتها ، كما أن الجهد الذي بذله الأحرار لتحويلها إلى دعم الحرية ( حرية المتعاقدين في إبرام ما يريدون ) كان ينطوي على الابهام والالتباس « 1 » . إن الحياة الاجتماعية قد تطورت مع الزمن إلى درجة جعلت الانسان لا يقوم بأية حركة صغيرة أو كبيرة الا ويتداخل فيها أكثر من حق للمجتمع . وحسب ما يقول د . كاتوزيان « ان تقسيم العمل ، والحاجات المتبادلة بين أعضاء المجتمع ، قد ربطا مصير البشر ببعضهم ، إلى درجة - لا جرم - من الاعتراف بوجود حياة اجتماعية أخرى ، إلى جنب الحياة الفردية ، وان لتلك الحياة المشتركة حاجاتها ومقتضياتها الخاصة التي لا تضمن دوماً بوسيلة الحرية الفردية فقط » « 2 » . ثالثاً : تعتبر قاعدة النظرية الفردية من الناحية الفلسفية : الإرادة الحرّة للانسان وقيمتها العليا ، ولكنها ليست كذلك . إذ ان العدالة قيمة أخرى لا يمكن الاستهانة بها . فإذا تعارضت الحرية والعدالة فان علينا التوفيق بينهما . ولا ريب ان العدالة لا تؤمن عبر الحرية وحدها ، بل - هي الأخرى - بحاجة إلى قوانين خاصة . وحسب باتيفول : ان حرية التعاقد الكاملة تتعارض مع المنطق السليم ، فضلًا عن انه لم يكتب لها الوجود اصلًا « 3 » . ويضرب أمثلة شتّى حددت الحرية فيها - قانونياً - بقيمة أخرى أبرزها : حرية الملكية التي تعرّضت لهجمات من جميع النواحي . ويضيف : ان حريات الانسان نفسها ، تخضع لتقدير السلطة المفروض إنضافه ( ذلك التقدير ) الحكمة ، ويرى القانون اليوم ، انه يجب الا يفسخ الزواج بناء على إرادة
--> ( 1 ) - فلسفة القانون ص 86 . ( 2 ) - فلسفة القانون ص 370 . ( 3 ) - فلسفة القانون ص 87 . .